ابن عبد البر
109
الدرر في اختصار المغازي والسير
( وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) ( * ) . وقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الفداء في الأسيرين ، فأما عثمان بن عبد اللّه فمات بمكة كافرا ، وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى استشهد ببئر معونة . ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين . صرف ( 1 ) القبلة وصرفت القبلة عن البيت المقدس إلى الكعبة في السنة الثانية على رأس ستة عشر شهرا وقيل سبعة عشر شهرا من مقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، وذلك قبل بدر بشهرين ( * ) . وروى أن أول من صلّى إلى الكعبة حين صرفت القبلة عن البيت المقدس أبو سعيد بن المعلّى ، وذلك أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخطب بتحويل القبلة ، فقام فصلى ركعتين إلى الكعبة .
--> * قلت : في هذا الحديث ( أي حديث الغزوة ) دليل على تسويغ الاجتهاد في زمنه عليه السلام ، فان عبد اللّه بن جحش أداه اجتهاده إلى قسمة الغنيمة كما شاء وتخصيص الرسول صلى اللّه وسلم عليه وسلم بالخمس . فصوب الحق اجتهاده وأمضاه . فان قلت : كيف أنكر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قتلهم لمن قتلوه في الشهر الحرام ثم نزل القرآن بتصويب فعلهم قلت : لم يصوب القرآن شيئا أنكره الرسول عليه السلام ، ولكنه قرر أن القتال منكر كما أنكره الرسول عليه السلام ، ولكنه قرر أيضا أن فعل الجاهلية أشد نكرا ، لان فعلهم الكفر وقطع الطريق على الحجاج وأثارة الفتنة ، فقطع اللّه احتجاجهم على المسلمين بأن الجاهلية أولى بالانكار وأجدر برد الاعذار . واللّه المستعان . ( 1 ) انظر في صرف القبلة ابن هشام 2 / 257 وابن سعد ج 1 ق 2 ص 3 وصحيح مسلم بشرح النووي 5 / 9 وصحيح البخاري 1 / 84 والطبري 2 / 415 وابن حزم ص 106 وابن سيد الناس 1 / 230 وابن كثير 3 / 252 والنويري 16 / 397 . * وقد ذكر أبو عمر الاختلاف في الصلاة بمكة قبل الهجرة هل كانت إلى الكعبة أو إلى بيت المقدس ، والروايات بالوجهين في كتاب التمهيد وفي كتاب الاستذكار . ا ه . [ وقد نقل ابن سيد الناس الروايات المذكورة عنه في ذلك واختلافها في أن الرسول كان أول ما صلى يستقبل الكعبة وهو لا يزال بمكة ثم تحول عنها في المدينة إلى بيت المقدس ، وقيل أنه تحول عنها وهو لا يزال بمكة ، وقيل بل كان يصلى في مكة مستقبلا بيت المقدس حتى صرفه اللّه عنه في المدينة إلى الكعبة . واستحسن ابن عبد البر قول من قال إنه كان بمكة يصلى مستقبل القبلتين معا بجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس . انظر ابن سيد الناس 1 / 236 ]